طباعة هذه الصفحة

عوض الصفر يكتب : طبيب الفقراء وطبيب الغلابى ظاهرة تستحق المتابعة

11 آب/أغسطس 2020

السفير نيوز

جمع المال وتكديسه ظاهرة لها بريقها ولها جاذبيتها بالنسبة لكثير من الناس، لكن بعض من أتيحت لهم هذه الفرصة، خرج عن تلك القاعدة.. فأصبح هدفه الأسمى ومتعته القصوى تكمن في خدمة الفئات المهمشة التي تقطعت بهم سبل الحياة الكريمة وغمرتهم غائلة الفقر والحرمان وبالتالي عجزوا عن مواجهة جائحة المرض والفواجع التي داهمتهم من كل حدب وصوب.

إنها جينات وراثية عابرة للحدود استوطنت في نفوسهم وانعكست على أخلاقياتهم ووجهت بوصلة سلوكياتهم نحو محبة الإنسانية وخدمتها بعيدا أية فوارق طبقية أو اعتبارات دينية أو عرقية أوطائفية.. 

فقبل أيام قلائل عجت مواقع التواصل الاجتماعي في مصر والعالم العربي بخبر وفاة الطبيب المصري محمد مشالي الشهير بطبيب «الغلابى» الذي كرس حياته لخدمة شرائح الفقراء في مصر منذ تخرجه من كلية طب قصر العيني بالقاهرة في العام 1967..

 وقد ودع المدونون على اختلاف أجناسهم مشاربهم الفكرية والثقافية الطبيب مشالي، الذي تميزت سيرته المهنية بالبساطة المتناهية  والتواضع الجم حيث كان يعالج المرضى الفقراء بدون مقابل وكان يشتري لهم الدواء في حالة عدم مقدرتهم على شرائه..

وفي إربد توفي قبل أشهر الدكتور رضوان السعد الذي اشتهر بطبيب الفقراء حيث افتقدته شرائح كبيرة من الفقراء والمساكين الذين كانو يؤموا عيادته من جميع أنحاء المحافظة، ليجدوا الإبتسامة أولا والعلاج ثانيا..

لقد كان الدكتور السعد يتقاضى دينارا واحدا من المواطنين المقتدرين وكان يعالج الفقراء بدون مقابل حتى لو تكررت مراجعتهم لعيادته، وظل على هذا النهج طيلة فترة عمله في عيادته المتواضعة بمخيم إربد والتي استمرت أربعين عاما.

أما عبدالرحمن السميط، الطبيب الكويتي المعروف فقصته من نوع آخر فقد آثر العمل الإغاثي في أفقر مناطق العالم على رغد العيش وكثرة المال في الكويت ونذر نفسه وماله لهذا العمل الإنساني في القارة السمراء لمدة ثلاثة عقود قضاها في إقامة المشاريع التنموية والخدماتية والإنسانية التي تلبي احتياجات الناس وأسهمت في تحسين واقع حياتهم المعيشية بشكل كبير. 

وكان يرى أن عدد الفقراء في الدول العربية والإسلامية الذي يقدر بنحو (250) مليون شخص وأن زكاة مال الأثرياء العرب والتي تقدر بنحو (8ر56) مليار دولار تكفي لسد حاجة اؤلئك الفقراء لو تم توزيع هذا المبلغ عليهم بعدالة ولمكنهم من تنفيذ مشاريع إنتاجية توفر لهم سبل العيش الكريم. ولم يفرق السميط طوال فترة عمله الخيري في افريقيا بين مسلم وغير مسلم، فهم سواء في الحق الإنساني.. وبعد مسيرته الإنسانية الطويلة انتقل السميط الى رحمة الله تعالى  في العام 2013.

أما الملياردير الأمريكي مؤسس مجموعة مايكروسوفت للبرمجيات بيل غيتس وهو ثاني أثرى أثرياء العالم بحسب تصنيف مجلة فوربس الأمريكية لسنة 2019 ، والتي تنشر كل سنة قائمة بمليارديرات العالم، باستثناء أفراد العائلات المالكة  فقد أعلن في شهر آذار الماضي أنه سيغادر مجلس إدارة المجموعة ليكرس وقته للأعمال الخيرية والإنسانية  حيث خصص جزءا كبيرا من ثروته الطائلة للعمل الخيري ومساعدة الفقراء والمحرومين.

وبعد، فإنني أقدم من هذا المنبر تحية إجلال وإكبار لهذه الكوكبة الرائدة والنادرة وآمل أن لا تزول هذه الظاهرة الإنسانية الخيرة من مجتمعاتنا العربية المجبولة بالفطرة على حب الخير والعمل الإنساني، فلدينا الكثير من الأثرياء والموسرين الذين، لو دفعوا زكاة أموالهم، لأسهموا في تخفيف معاناة الفقراء والمحرومين الذين هم أخوانهم في العقيدة والإنسانية امتثالا لقوله تعالى: (وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ)، صدق الله العظيم والحمد لله رب العالمين..