طباعة هذه الصفحة

عوض الصقر يكتب : ذكرى الهجرة النبوية: نقطة تحول مفصلية في تاريخ البشرية

24 آب/أغسطس 2020

السفير نيوز

قبل أيام قلائل حلت ذكرى الهجرة النبوية الشريفة ولكن وفي غمرة الأحداث والتطورات العالمية المتسارعة بما في ذلك انتشار فيروس كورونا وتفجيرات بيروت وتردي الأوضاع المعيشية والاقتصادية على مستوى العالم، فإن وسائل الإعلام والتواصل الإجتماعي لم تتعامل معها بالإهتمام الذي تستحقه بالرغم من أنها شكلت نقطة تحول رئيسية في تاريخ البشرية جمعاء.

لقد كانت هجرة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة وهي مسقط الرأس وأرض الآباء والأجداد، كانت قاسية وشديدة الوطأةعلى النفس ولذلك قال عليه الصلاة والسلام مقولته الشهيرة: «والله إنك لخير أرض الله، وأحبُّ أرض الله إلى الله، ولولا أنِّي أُخرِجت منك لما خرجتُ».

وقد شكلت الهجرة النبوية نموذجا حقيقيا للتضحية والبذل والعطاء من أجل الغاية السامية التي حصلت من أجلها وهي نصرة دين الله وتثبيت أركانه ودعائمه.. إذ أنه ليس من السهل أن يتخلى الإنسان عن أهله وديرته ويهاجر إلى بلاد جديدة لا حول له فيها ولا قوة سوى التمسك بعقيدة راسخة وبزعيم ملهم ورجال  أوفياء، كيف وقد اجتمعت كل هذه الصفات بجماعة المهاجرين من أمثال أبي بكر وعمر وعلي ومصعب ابن عمير وفي مقدمة جميع هؤلاء رسول الإنسانية سيدنا محمد ابن عبدالله عليه السلام.

إنَّ الهجرة من مكة المكرمة إلى يثرب التي أصبحت تسمى فيما بعد بالمدينة المنورة كانت تعني  بالمفاهيم البشريَّة السائدة  انتحارًا مؤكَّدًا، فكتائب الأعداء تتربص بالنبِيِّ وصحابته الكرام، وهي مدجَّجة بالسِّلاح والعتاد، وجاهزة للإنقضاض عليهم، ولكن المشيئة الربَّانية والعناية الإلهية غيرت مجريات الأمور وتحقق النَّصر المؤزر وعم النُّور المبين وبذلك تم وضع حجَرٍ الأساس في صَرْح الدولة الإسلامية الناشئة.

لقد كانت التَّضحية العنوان الرَّئيسي لِلهِجرة النبوية حيث ضحى المهاجرون بأموالَهم وديارهم، في الوقت الذي ضحى فيه الأنصار بموروث الاعتداد بالنفس والولاء المطلق للعشيرة، هذا المفهوم الذي كان متجذرا في تلك الحقبة، وتقاسموا لقمة العيش مع إخوانهم المهاجرين عن طيب خاطر عز نظيره في التاريخ الانساني القديم والحديث، وانصهر الجميع في بوتقة العقيدة الدينية الراسخة.

وبالمحصلة النهائية فقد ساعدت الهجرة في انتشار الإسلام، وأصبحت شوكة المسلمين قوية في المدينة المنورة، وبدأت سلسلة الفتوحات الإسلاميّة والانتصارات المتتالية في مشارق الأرض ومغاربها، بعد أن تشكل المجتمع الإسلامي المتآخي والمتعاضد، وبذلك يكون عهد التخاصم والتنافر  الذي كان سائداً في ذلك الحين، قد ولى إلى غير رجعة.

من أهم الدروس التي تضمنتها الهجرة النبوية هي ترسيخ مفهوم العفو والتسامح والصفح فبعد أن توطدت دعائم الدولة الإسلامية في المدينة المنورة وعاد الرسول الكريم إلى مكة المكرمة  حاملا راية الفتح ونشوة الإنتصار وقد توقع أهلها أن يبطش بهم وأن يسفك دماءهم وإذ به يخاطبهم قائلا: اذهبوا فأنتم الطلقاء! فيا له من تسامح ويا له من صفح منقطع النظير، إنه العفو عند المقدرة امتثالا لقوله تعالى: (ولْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) وقوله: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ)..

ما أحوجنا في هذه الأيام أن نستنسخ تجربة المهاجرين والأنصار في تعاملاتنا اليومية وأن نكون على أرض الواقع إخوة متحابين متعاضدين في مجتمع آمن متماسك بعقيدته وسلوكياته وليس أن تقتصر سلوكياتنا على ممارسة العبادات والشعائر الدينية..

تلك هي بعض الدّروس المستخلصة من ذكرى الهجرة النبوية الشريفة الّتي بدأت بعامها الجديد 1442 والله اسأل أن يجعله عام خير وبركة على الأمة العربية والإسلامية والإنسانية جمعاء، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.